الشيخ محمود لطفي عامر

الشيخ محمد حسان يجدد فكر سيد قطب بصبغة سلفية - الشيخ محمود عامر

أضيف بتاريخ : 24 / 10 / 2009
                                

الشيخ محمد حسان يجدد فكر سيد قطب بصبغة سلفية


بسم الله الرحمن الرحيم


الشيخ محمد حسان يجدد فكر سيد قطب بصبغة سلفية

في مقالات سابقة بيّنت بعضًا من المخاطر الفكرية ليسد قطب وكان ذلك باختصار شديد كمقدمة لنقد كتاب " حقيقة التوحيد " للشيخ محمد حسان حيث أكثر محمد حسان من استشهاده بكلام سيد قطب من خلال أشد كتبه تطرفًا كتاب " معالم في الطريق " وكتاب " في ظلال القرآن " ، وحاول محمد حسان أن يمرر فكر سيد قطب وسط كلام أئمة كبار لهم وزنهم العلمي عند أهل السنّة.


إن الفكر القطبي لا زال قائمًا ولم يمت بل لا زال مسيطرًا على غالبية شباب العالم الإسلامي ، وحديثي هنا عن مخاطر تقديمه بصبغة سنّية سلفية ، فالإحياء هنا لا تقوم به جماعات الإخوان أو الجهاد أو التكفير والهجرة وإنما يقوم به نفر من الدعاة يقدمون للناس هذا الفكر باسم الإسلام والسنّة والسلفية ، والسنّة والسلفية بريئان من هذا الإحياء ، وبناء عليه من أراد تصنيف دعوة محمد حسان لا يصنفها على أنها سلفية بل هي قطبية مكررة سبقه إليها رموز سعودية كسلمان العودة وسفر الحوالي وأسامة بن لادن وعليه يكون التحذير والتصنيف .


كما أحب أن أأكد هنا أن مناقشة الفكر الإخواني عمومًا والقطبي خاصة ليست بالمستوي المطلوب ، بل أستطيع أن أقرر أن الساحة الفكرية الشرعية في مصر تكاد تخلوا من مناقشة هذا الفكر مناقشة شرعية مستفيضة تتسم بالموضوعية والشجاعة لأسباب غير مفهومة ، ولغياب هذه المواجهة الفكرية الشرعية الْتَهَمَت الأفكارَ الإخوانية القطبية عقولُ الشبابِ والعوامِ ، فمتي ننتبه لخطورة الأمر ونعالجه بحكمة وبيان .


أعود لكتاب " حقيقة التوحيد " :


1. يقرر محمد حسان في كتابه المذكور ص 7 : ومن مقتضيات كلمة التوحيد الإقرار بتوحيد الإلوهية ... ومن مقتضيات كلمة التوحيد أن يكون الحكم لله ومن مقتضيات كلمة التوحيد أن يصاغ النظام الاقتصادي كله وفق معايير الإسلام ... ومن مقتضيات كلمة التوحيد أن يكون المنهج التربوي والتعليمي والإعلامي والفكري والحضاري والأخلاقي والسلوكي منبثقًا من الإسلام ... الخ.


قلت : لقد أثبت محمد حسان بهذا الكلام أنه لم يدرك بعد معني التوحيد ، وهو يحاكي أسلوب سيد قطب تمامًا ، فليس معني وجود تقصير شرعي في مناحي الحياة العملية غير الشرك أن يكون ذلك مناقضًا لكلمة التوحيد ، فالتوحيد هو إفراد الله بالعبادة وجوهر العبادة الدعاء فتوحيد الله تعالي إفراده بالدعاء ، أي لا يُدعي بحق إلا الله ، قال رسول صلى الله عليه وسلم " الدعاء هو العبادة " ، ولقد عاب القرآن في غالب آياته على المشركين شركهم ووصف هذا الشرك بأنه دعاء غير الله تعالي فقال عز وجلّ { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوَهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 13 ، 14 ] وقال تعالي { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } [ الأحقاف : 5 ] وقوله تعالي{ قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ... } [ الأنعام : 71 ] وقوله تعالي { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ... } [ النساء : 36 ] وقوله تعالي { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } [ النمل : 62 ] والآيات في ذلك كثيرة ، وموضوع كتاب محمد حسان المذكور إنما هو عن أصل الدين وليس عن أحكام وتشريعات ، فقول محمد حسان : " من مقتضيات التوحيد الإقرار بتوحيد الألوهية " بدعة لم يسبقه أحد إليها فيما أعلم ، لأن التوحيد الذي جاءت به الرسل جميعًا كما بيّنت الآيات السابقة وغيرها كثير، هو توحيد الألوهية أي إفراد الله سبحانه بالدعاء ، وأما محمد حسان فإنه يساوي بين أصل الدين وبين فروعه بين انتفاء الأصل والذي سيترتب عليه انتفاء الإسلام بالكلية ، وبين انتفاء بعض الفروع والذي لا يترتب عليه انتفاء الإسلام بالكلية كما هو معلوم باتفاق أهل السنّة بخلاف الخوارج والمعتزلة والمرجئة .


2. إن محمد حسان تقليدًا لسيد قطب ومحمد قطب يتلاعب بأصل الدين من حيث لا يدري مهما حسنت نواياه ويجعل القارئ يفهم التوحيد فهمًا غير مستقيم حيث يقول في ص 6 : " ومحال أن يكون ذلك كله من أجل كلمة ترددها الألسنة فحسب بل لا بد من الإقرار باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالجوارح والأركان لتحويل جميع مقتضياتها إلى منهج حياة وواقع متحرك ومجتمع متكامل البنيان ... إلى أن قال : هذه المفاهيم الضخمة والمعاني الجليلة وغيرها هي التي ظل الرسول صلى الله عليه وسلم يربي عليها أصحابه الكرام في مكة ثلاثة عشر عامًا " ... الخ .


قلت : هذا خلط واضح في تأصيل وبيان معني التوحيد الشرعي مقلدًا سيد قطب وشقيقه ، وأما تقوّله على الرسول صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية بما سبق ذكره فهو باطل ، فالرسول صلى الله عليه وسلم في مكة بدأ وظل يدعو قريشًا لحقيقة واحدة ليسلِّموا بها أولا ً ألا وهي إفراد الله بالعبادة أي بالدعاء لذا أنكرت عليه قريش بقولهم { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص : 5 ] ولم ينزل في الفترة المكية من التشريعات إلا قليل الذي يخدم جوانب العقيدة إذن أين النظم ؟ وأين هي الاقتصاديات والتشريعات في المرحلة المكية ؟ فلو كان إفراد الله تعالي بالعبادة يساوي ويرادف منهج الحياة لوقف الرسول صلى الله عليه وسلم على الصفا صائحًا في المشركين : اعبدوا الله وحده وامتنعوا عن الربا والزنا واقطعوا يد السارق وارجموا الزاني وصلوا وزكوا وحجوا وصوموا ... الخ فمن المعلوم لدي محمد حسان وأتباعه خاصة ولدي عموم المسلمين عالمهم وجاهلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا المشركين في مكة إلى إفراد الله عز وجل بالعبادة وربي أصحابه على ذلك وليس على نحو ما يقرر محمد حسان ، فعلم أن أصل الدين وأعلاه هو التوحيد وأن ما سواه فإنما هو دونه ، لا يساويه ولا يدانيه أي تشريع من صلاة أو زكاة أو صيام أو حدود أو جهاد ... الخ .


لو كان محمد حسان يتكلم عن الإسلام بعموم كعقائد وتشريعات ربما ما انتقده أحد لكن الرجل هنا يتكلم ويؤصل معني التوحيد فكان لزامًا بيان خطئه وخلطه بين الأصول والفروع .


إن هذا التوحيد ظل كل الأنبياء يدعون إليه حتى أن أحدهم من أولي العزم مكث ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعو قومه إلى إفراد الله بالعبادة ، هذا التوحيد قد خلط محمد حسان بينه وبين بعض التشريعات وجعل غياب بعض هذه التشريعات مساويًا لغياب التوحيد ، ومن هنا تنامي العنف في نفوس من يتلقون هذه الأفكار تجاه أي مخالفة شرعية فيما دون الشرك ، خاصة إذا صدرت من مسئول أو من أحد ولاة الأمر ، ولعلنا نذكر كيف قام جمهور من الشباب السعودي يتقدمهم ويحفزهم بعض الدعاة إلى التجمهر والتظاهر لمجرد أن خرجت بعض النسوة السعوديات يقدن السيارات وكأنها مخالفة لأصل الدين ، وفي الوقت نفسه ضُرِبَت مناطق متعددة في السعودية في الرياض والخُبَر وعلى مشارف مكة والمدينة بالمتفجرات ، ولم نر لأمثال هؤلاء أي رد فعل استنكاري تجاه هذه التفجيرات ؛ مما يؤكد أن الشباب المتدين في العالم الإسلامي في أزمة عقائدية لا بد من علاجها وعلى وجه السرعة قبل تنامي وتجدد المآسي التفجيرية التي صارت مألوفة على أسماعنا .


إذن أخطر ما في كلام محمد حسان هو تسويته لأصل الدين بما هو دونه مما يشكل تربة خصبة للتكفير عند ظهور أي مخالفة فرعية لتربية الشباب على الغلو في أمور الدين بجعلهم فروع الدين بمنزلة أصل أصوله ، ولربطهم التوحيد كأساس عقيدي بتواجد الدولة وفق منظورهم على أرض الواقع ، فإذا انتفت الدولة وفق مفاهيمهم فقد انتفي التوحيد ، وهذا المفهوم القطبي هو الذي دفع سيد قطب إلى نعت مجتمعات المسلمين بوصف الجاهلية الكافرة فساوي بينها وبين المجتمعات البوذية والشيوعية لمجرد غياب الشريعة في نظره على أرض الواقع ، وغاب عن آل قطب وأتباعهم كمحمد حسان وأقرانه مثل محمد حسين يعقوب أن الإسلام والحمد لله قائم فعلا ً ولو غابت بعض التشريعات ، وأنه ليس من اللازم لنعت الإنسان بالإسلام أن يأتي بمنهج الحياة الإسلامية كاملا ً طالما أنه مقرٌ ومعتقدٌ ومصرحٌ بتوحيد الله تعالي في ألوهيته ودليل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر إسلام النجاشي وصلي عليه رغم أن النجاشي ملك الحبشة لم يُقم منهج الحياة الإسلامي في دولته ، وهذا موسي – عليه السلام - كليم الرحمن - جل وعلا - أحد أولي العزم من الرسل أهلك الله له فرعون وجنوده ومع ذلك لم يعد موسي – عليه السلام - إلى مصر ليقيم النظام الإسلامي على أنقاض فرعون وجنوده ؛ مما يثبت بالدليل أن غاية دعوة الأنبياء هي إفراد الله بالعبادة وليست غايتهم إقامة العروش والأنظمة ، وإن كان من الواجبات بعد التوحيد أن تكون العروش والأنظمة وفق شرع الله على قدر الاستطاعة ، فذلك من مكملات التوحيد وليس هو التوحيد ، فالإيمان بالتوحيد والإقرار به شئ هو أصل الإيمان وما دونه من التشريعات لا يساويه والمخالفة فيما سوى التوحيد لا تخرج من الملة .


وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حينما عرضوا عليه السيادة والرياسة والمال أبي وطالبهم بأن يقولوا " لا إله إلا الله " ، فلو كانت الغاية كما فهمها سيد قطب وأتباعه ومحبيه لاستجاب الرسول صلى الله عليه وسلم لقريش وأخذ الرياسة والسيادة ثم حملهم وفق هذه الولاية على الإسلام ولكن الأمر على خلاف ما يفهم الكثير من دعاة اليوم .


وليس معني كلامي إهمال الجوانب التشريعية من اقتصاد وسياسة وتعليم واجتماع وإعلام ، وإنما كلامي منصب حول تصحيح المفاهيم ، فالزعم بأن الدولة الإسلامية غير موجودة زعم باطل فإن مجرد إعلان الدولة أن دينها الرسمي هو الإسلام وتقام فيها الصلاة ويحدد فيها الصيام والأعياد وينظم فيها الحج فهي دولة إسلامية ومجتمع إسلامي ، أما ما يوجد في الدولة كمجتمع ومرافق من مخالفات شرعية فإن هذا لا يجعلنا أن ننفي عنها الإسلام ، ومع هذا فالنصيحة والبيان والدعاء هو الواجب على الدعاة والعلماء وليس التحريف وتسييس الدين لإثارة الناس ضد مجتمعاتهم وولاة أمورهم .

وللحديث بقية ..




الشيخ محمود عامر


اقرأ أيضاً :


الاسم: ابوتركي
البلد: الرياض
التعليق: اتابع ماتكتب واستفتد منها كثيرا
واصل مشكورا ماجورا




Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127